الأحد 15 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 27 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٦ مساءً · السبت، الإثنين والأربعاء ١١ صباحاً – ٤ مساءً

الفصل السادس — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

سؤالات لبعض الطاعنين

وقد توجهت هنا لبعض الطاعنين سؤالات ، منها :

-ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ والنجم ،وقال :(فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى *) النجم 19-20)- قال : تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتها لترتجى و يروى : ترتضى . وفي رواية : إن شفاعتها لترتجي ، وإنها لمع الغرانيق العلا.

وفي أخرى :

والغرانقة العلا ، تلك للشفاعة ترتجى

فلما ختم السورة سجد ، وسجد معه المسلمون والكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم.

وما وقع في بعض الروايات أن الشيطان ألقاها على لسانه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان تمنى أن لو نزل عليه شيء يقارب بينه و بين قومه .

وفي رواية أخرى : ألا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه ، وذكر هذه القصة ، وأن جبريل عليه السلام جاء فعرض عليه السورة ، فلما بلغ الكلمتين قال له : ما جئتك بهاتين . فحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى تسلية له :(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج : 52 )

وقوله : (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (الإسراء : 73 ، 74).

فاعلم ـ أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين :

أحدهما :

في توهين أصله ، والثاني على تسليمه .

أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل ، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم.

وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء التفسير ، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته واضطراب رواياته ، وانقطاع إسناده ، واختلاف كلماته ، فقائل يقول :

إنه في الصلاة ، وآخر يقول : قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة ، وآخر يقول : قالها و قد أصابته سنة ، وآخر يقول : بل حدث نفسه فسها ، وآخر يقول : إن الشيطان قالها على لسانه ، وإن النبي صلى الله عليه و سلم لما عرضها على جبريل قال : ما هكذا أقرأتك ، و آخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها ، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال : والله ما هكذا نزلت ـ إلى غير ذلك من اختلاف الرواة .

ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ، ولا رفعها إلى صاحب ، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية ، والمرفوع فيه حديث شعبة : عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال فيما أحسب ـ الشك في الحديث ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة ... وذكر القصة.

-قال أبو بكر البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير ، وإنما يعرف عن الكلبي ، ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا .

و فيه من الضعف ما نبَّه عليه مع وقوع الشك فيه ، كما ذكرناه ، الذي لا يوثق به ، ولا حقيقة معه .

وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الراوية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه ، كما أشارإليه البراز : رحمه الله

والذي منه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : والنجم ـ وهو بمكة ، فسجد معه المسلمون والمشركون و الجن والإنس .

هذا توهينه من طريق النقل فأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة ، وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلمو نزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله ، وهو كفر ، أو أن يتسور عليه الشيطان ، ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ، و يعتقد النبي صلى الله عليه و سلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام ، وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم، أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قيل نفسه عمداً ، وذلك كفر ، أو سهواً ، وهو معصوم من هذا كله .

وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على قلبه أو لسانه ، لا عمداً ولا سهواً ، أو أن يشبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان ، أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو أن يتقول على الله ، لا عمداً ولا سهواً ، ما لم ينزل عليه ، وقد قال الله تعالى :

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * الحاقة 44 -47 )

وقال تعالى : (إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً) (الإسراء : 75 )

ووجه ثان ، وهو استحالة هذه القصة نظراً وعرفاً ، وذلك أن هذا الكلام لو كان ـ كما روي لكان بعيد الالتئام ، لكونه متناقص الأقسام ، ممتزج المدح بالذم ، متخاذل التأليف والنظم . ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين ، وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك ، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه ، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه .

ووجه ثالث أنه علم من عادة المنافقين ، ومعاندي المشركين ، وضعفة القلوب ، والجهلة من المسلمين ـ نفورهم لأول وهلة ، وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة ، وتعييرهم المسلمين ، والشماتة بهم الفينة بعد الفينة ، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئاً سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة ، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة ، وكذلك ما روى في قصة القضية ، ولا فتنة أعظم من هذه البينة لو وجدت ، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت ، فما روى عن معاند فيها كلمة ، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة ، فدل على بطلها و اجتثاث أصلها

ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين ، ليلبس به على ضعفاء المسلمين

ووجه رابع : ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت : (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (الإسراء : 73 ، 74)

وهاتان الآيتان يردان الخبر الذي رووه ، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري ، وأنه لولا ثبته لكاد يركن إليهم .

فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفتري ، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً ، فكيف كثيراً وهم يروون أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والإفتراء بمدح آلهتهم و أنه قال صلى الله عليه وسلم : افتريت على الله ، وقلت ما لم يقل ، و هذا ضد مفهوم الآية ، وهي تضعف الحديث لو صح ، فكيف ولا صحة له .

وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى : (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء : 113 )

وقد روي عن ابن عباس : كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون ، قال الله تعالى: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) (النور : 43 )، ولم يذهب . و (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) (طه : 15 ) ، و لم يفعل .

-قال القشيري القاضي : ولقد طالبته قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل ، فما فعل ، ولا كان ليفعل .

-قال ابن الأنباري : ما قارب الرسول و لا ركن

وقد ذكرت في معنى هذه الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله يرد سفسافها ، فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته مما كاده به الكفار ، وراموا من فتنته ، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم ، وهو مفهوم الآية .

وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث لو صح ، وقد أعاذنا الله من صحته ، ولكن على كل حال فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ، منها الغث والسمين ، فمنها ما روى قتادة ومقاتل ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابته سنة عند قراءته هذه السورة فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم .

وهذا لا يصح ، إذ لا يجوز على النبيصلى الله عليه وسلم مثله في حالة من أحواله ، ولا يخلقه الله علىلسانه ، ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو .

وفي قول الكلبي : إن النبي صلى الله عليه وسلم حدث نفسه ، فقال ذلك الشيطان على لسانه .

وفي رواية ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، قال : وسها ، فلما أخبر بذلك قال : إنما ذلك من الشيطان . وكل هذا لا يصح أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لا سهواً ولا قصداً ، ولا يتقوله الشيطان على لسانه .

وقيل : لعل النبيصلى الله عليه وسلم قال في أثناء تلاوته على تقدير التقرير و لتوبيخ للكفار ، كقول إبراهيم عليه السلام : ((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) (الأنعام : 76 ) على أحد التأويلات . وكقوله :( (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ)

(الأنبياء : 63 ) بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين ، ثم رجع إلى تلاوته .وهذا ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد ، وأنه ليس من المتلوّ ، وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر .

ولا يعترض على هذا بما روي أنه كان في الصلاة ، فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع .

والذي يظهر ويترجح في تأويله عنده وعند غيره من المحققين على تسليمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أمره ربه ـ يرتل القرآن ترتيلا ، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته ، كما رواه الثقات عنه ، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكياً نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وأشاعوها ، ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلمفي ذم الأوثان وعيبها على ما عرف منه . وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا ، وقال : إن المسلمين لم يسمعوها ، إنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم ، ويكون ما روي من حزن النبي صلى الله عليه وسلملهذه الإشاعة والشبهة ، وسبب هذه الفتنة .

وقد قال الله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج : 52 ) ، فمعنى تمنى : تلا ، قال الله تعالى : لا يعلمون الكتاب إلا أماني ، أي تلاوة .

و قوله : (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)

، أي يذهبه ، ويزيل اللبس به ، ويحكم آياته .

وقيل : معنى الآية هو ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو إذا قرأ فينتبه لذلك ويرجع عنه .

وهذا نحو قول الكلبي في الآية : إنه حدث نفسه ، وقال : إذا تمنى ، أي حدث نفسه .

وفي رواية أبي بكر بن عبد الرحمن نحوه. وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني ، وتبديل الألفاظ ، وزيادة ما ليس من القرآن ، بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة ، ولكنه لا يقر على هذا السهو ، بل ينبه عليه ، ويذكر به للحين على ما سنذكره في حكم ما يجوز عليه من السهو وما لا يجوز .

ومما يظهر في تأويله أيضاً أن مجاهداً روى هذه القصة : والغرانقة العلا ، فإن سلمنا القصة قلنا : لا يبعد أن هذا كان قرآناً ، والمراد بالغرانقة العلا ، وأن شفاعتهن لترتجى : الملائكة على هذه الرواية .

وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة ، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله ، كما حكى عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى) (النجم : 21 )، فأنكر الله هذا من قولهم ، ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح ، فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ، ولبس عليهم الشيطان ذلك ، زيَّنه في قلوبهم وألقاه إليهم نسخ الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم آياته ، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للإلباس ، كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته ، وكان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة ، وفي نسخه حكمة ، ليُضل به من يشاء ويهْدي من يشاء ، (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) (البقرة :

26 )) ، و (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (الحج : 53 ) * (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الحج : 54

وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة ، وبلغ ذكر اللات العزى ومناة الثالثة الأخرى خاف الكفار أن يأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ويشغبوا عليه على عادتهم وقولهم : (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)

(فصلت : 26 )

ونسب هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه ، وأشاعوا ذلك وأذاعوه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ، فحزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه .فسلاه الله تعالى بقوله :

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج : 52 )، وبين للناس الحق من ذلك من الباطل ، وحفظ القرآن وأحكم آياته ، ودفع ما لبس به العدو ، كما ضمنه تعالى من قوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر : 9 )

-ومن ذلك ما روي من قصة يونس عليه السلام ـ وأنه وعد قومه بالعذاب عن ربه ، فلما تابوا كشف عنهم العذاب ، فقال : لا أرجع كذاباً أبداً ، فذهب مغاضباً .

فاعلم ـ أكرمك الله ـ أن ليس في خبر من الأخبار الواردة في هذا الكتاب أن يونس ـ عليه السلام ـ قال لهم : إن الله مهلككم ، وإنما فيه أنه دعا عليهم بالهلاك ، والدعاء ليس بخبر يطلب صدقة من كذبه ، لكنه قال لهم : إن العذاب مصبحكم وقت كذا ، فكان ذلك ، كما قال ، ثم رفع الله تعالى عنهم العذاب وتداركهم ، قال الله تعالى : ((فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (يونس : 98 )

-وروي في الأخبار انهم رأوا دلائل العذاب و مخايله ، قاله ابن مسعود .

-وقال سعيد بن جبير : غشاهم العذاب كما يغشى الثواب القبر .

فإن قلت : فما معنى ما روي من أن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب لرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد مشركاً ، وصار إلى قريش فقال لهم : إني كنت أصرف محمداً حيث أريد ، كان يملى على = عزيزحكيم = فأقول أو = عليم حكيم= ؟ فيقول : نعم ، كل صواب .

-وفي حديث أخر : فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب كذا فيقول : أكتب كذا ؟ فيقول : اكتب كيف شئت ويقول : اكتب عليماً حكيماً ، فيقول أكتب : سيمعاً بصيراً ، فيقول له : اكتب كيف شئت .

-وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه ـ أن نصرانياً كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلم ثم ارتد ، وكان يقول : ما يدري محمد إلا ما كتبت له .

فاعلم ـ ثبتنا الله وإياك على الحق ، ولا جعل للشيطان وتلبيسه الحق بالباطل إلينا سبيلاً ـ أن مثل هذه الحكاية أولاً لا توقِع في قلب مؤمن ريناً ، إذ هي حكاية عمن ارتد وكفر بالله ، ونحن لا نقبل خبر المسلم المتهم ، فكيف بكافر افترى هو ومثله على الله ورسله ما هو أعظم من هذا ! .

والعجب لسليم العقل يشغل بمثل هذه الحكاية سره ، وقد صدرت من عدو كافر مبغض للدين ، مفتر على الله ورسوله ، ولم ترد عن أحد من المسلمين ، ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله وافتراه على نبي الله صلى الله عليه وسلم، و((إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)

(النحل : 105 ).

وما وقع من ذكرها في حديث أنس رضي الله عنه وظاهر حكايتها ، فليس فيه ما يدل على أنه شاهدها ، ولعله حكى ما سمع .

وقد علل البزار حديثه ذلك ، وقال : رواه ثابت عنه ، ولم يتابع عليه ، ورواه حميد عن أنس ، قال : وأظن إنما سمعه من ثابت .

*قال القاضي أبو الفضل ـ وفقه الله : ولهذا ، والله أعلم ، لم يخرج أهل الصحيح حديث ثابت ولا حميد . والصحيح حديث عبد العزيز بن رفيع عن أنس رضي الله عنه الذي خرجه أهل الصحة وذكرناه ، وليس فيه عن أنس قول شيء من ذلك من قبل نفسه إلا من حكايته عن المرتد النصراني ، ولو كانت صحيحة لما كان فيها قدح ولا توهيم للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه ، ولا جواز للنسيان والغلط عليه والتحريف فيما بلغه ولا طعن في نظم القرآن ، وأنه من عند الله ، إذ ليس فيه لو صح ـ أكثر من أن الكاتب قال له : عليم حكيم ـ وكتبه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : كذلك هو ، فسبقه لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما نزل على الرسول قبل إظهار الرسول لها ، إذ كان ما تقدم مما أملاه الرسول يدل عليها ويقتضي وقوعها بقوة قدرة الكاتب على الكلام ومعرفته به ، وجودة حسه وفطنته ، كما يتفق ذلك للعارف إذا سمع البيت أن يسبق إلى قافيته ، أومبتدأ الكلام الحسن إلى ما يتم به ، ولا يتفق في جملة الكلام ، كما لا يتفق ذلك في آية ولا سورة .

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : كل صواب إن صح ، فقد يكون هذا فيما كان فيه من مقاطع الآي وجهان وقراءتان أنزلتا جميعاً على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأملى إحداها ، وتوصل الكاتب بفطنته ومعرفته بمقتضى الكلام إلى الأخرى ، فذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم كما قدمناه ، فصوبها له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أحكم الله من ذلك ما أحكم ، ونسخ ما نسخ كما قد وجد ذلك في بعض مقاطع الآي ، مثل قوله تعالى : (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة : 118 ) و هذه قراءة الجمهور و قد قرأ جماعة : [ فإنك أنت الغفور الحكيم ] . وليست من المصحف .

وكذلك كلمات جاءت على وجهين في غير المقاطع ، قرأ بهما جميعاً الجمهور ،وثبتنا في المصحف ، مثل : َانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا) (البقرة 259 ) و( نَنْشُرُهَا) و(يقتضي الحق) و(يَقُصُّ الْحَقَّ) (الأنعام 57

وكل هذا لا يوجب ريناً ، و لا ينسب للنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ غلطة ولا وهماً

وقد قيل : إن هذا يحتمل أن يكون فيما يكتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس غير القرآن ، فيصف الله ويسميه في ذلك كيف يشاء .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.