الأحد 15 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 27 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٦ مساءً · السبت، الإثنين والأربعاء ١١ صباحاً – ٤ مساءً

الفصل الثاني — القسم الثالث

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث

في عصمة الأنبياء عليهم السلام قبل النبوة

وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللنلس فيه خلاف. والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك بشيء من ذلك وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن ا|لأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ وُلدوا ،ونشأتهم على التوحيد والإيمان بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة كما نبَّهنا عليه في الباب الثاني من القسم الأول من كتابنا هذا ،ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحداََ نُبِّيءَ واصطُفِيَ ممن عُرِف بكفر وإشراك قبل ذلك ...ومستند هذا الباب النقل وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله ، وأنا أقول :إن قريشاً قد رمت نبيناصلى الله عليه وسلم بكل ما افترته ، وعيَّر كفار الأمم أنبياءهم بكل ما أمكنها واختلقته مما نص الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة ولم نجد في شيء من ذلك تعييراًَ لواحد منهم برفضه آلهته و تقريعه بذمِّه بترك ما كان قد جامعهم عليه ،ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين وبتلوُّنه في معبوده مُحتجّين ولكان توبيخهم له بنَهْيِهم عما كان يعبُد قبلُ أفظع وأقطع قي الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل ...ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلاً إليه إذ لو كان لنُقِل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة وقالوا ( َما وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ) (البقرة : 142 ) كما حكاه الله عنهم ...وقد استدل القاضي القشيري على تنزيه الأنبياء بقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب : 7 )..وبقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا

مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ) (آل عمران 81 ) ...فال : وطهره الله في الميثاقوبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب،،هذا ما لا يُجوِّزه إلا ملحد ،هذا معنى كلمه.وكيف يكون ذلك وقد أتله جبريل علسه السلام وشقَّ قلبه صغيرا واستخرج منه علقة وقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله وملأه حكمةً وإيماناً كما تظاهرت به أخبار المبدإ ..ول يُشَبَّه عليك بقول عليه السلام في الكوكب والقمر والشمس : (هَـذَا رَبِّي ) (الأنعام : 76 ). فإنه قد قيل كان هذا في سن الطفولية والإستدلالوقبل لزوم التكليف ، وذهب معظم الحداق من العلماء والمفسرين إلى أنه إنما قال ذلك مبكِّتاً لقومه ومستدِلّاً عليهم وقيل معناه الإستفهام الوارد مورد الإنكار.والمراد فهذا ربي ...قال الزجاج : قوله (هذا ربي) ،أي على قولكم كما قال :(أَيْنَ شُرَكَاءِيَ)(القصص 74) أي عندكم ويدل على أنه لم يعبد شيئاً من ذلك ولا أشرك قط بالله طرفة عين.قول الله عز وجل عنه :(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ)(الشعراء : 70 ) ثم قال :( قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * ) (الشعراء 75-77) وقال: (إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الصافات : 84 ) أي من الشرك، وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) (إبراهيم : 35 ) ..فإن قلت فما معنى قوله :( لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)

(الأنعام : 77) قيل أنه إن لم يؤيدْني بمعونته أكن مثلكم في ضلالتكم وعبادتكم على معنى الإشفاق والحذر وإلا فهو معصوم في الأزل من الضلال ،فإن قلت فما معنى قوله تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم : 13 ) ؟ ثم قال بعد عن الرسل : (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا ) (الأعراف : 89 ) فلا يشكل عليك لفظة العود وأنها تقتضي أنهم إنما يعودون إلى ما كانوا فيه من ملتهم ،فقد تأتي هذه اللفظة في كلام العرب لغير ما ليس له ابتداء بمعنى الصيرورة كما جاء في حديث الجهنَّميين : عادوا حمماً ولم يكونوا قبل كذلك .. ومثله قول الشاعر :

تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعاد بعد أبوالا

وماكان قبل كذلك.. فإن قلت فما معنى قوله تعالى : (وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى )(الضحى 7) ؟ فليس هو من الضلال الذي هو الكفر،قيل ضالا عن النبوة قهداك إليها ،فاله الطبري :وقيل وجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك وهداك بالإيمان وإلى إرشادهم ونحوه ..عن السدي وغير واحد ،وقيل ضالا عن شريعتك أي لا تعرفها فهداك إليها والضلال ها هنا التحيُّر ولهذا كانصلى الله عليه وسلم يخلو بغار حرا ء في طلب ما يتوجه به إلى ربه ويتسرع به حتى هداه الله إلى الإسلام قال معناه القشيري ،وقيل لا تعرف الحق فهداك إليه ، وهذا مثل قوله تعالى:( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء : 113 ) قاله علي بن عيسى ، قال ابن عباس : لم تكن له ضلالة معصية ،وقيل هدى أي بين امرك بالبراهين ،وقيل (وَوَجَدَكَ ضَالّا )(الضحى 7) بين مكة والمدينة فهداك إلى المدينة ،وقيل المعنى وجدك فهدى بك ضالاًّ... وعن جعفر بن محمد (وَوَجَدَكَ ضَالّا ) عن محبتي لك في الأزل أي لا نعرفها فمننت عليك بمعرفتي ، وقرأ الحسن بن علي : (وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى )(الضحى 7) أي اهتُديَ بك ، وقال ابن عطاء : (وَوَجَدَكَ ضَالّا ) أي محباً لمعرفتي وضال المحب كما قال : ( إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ) (يوسف : 95 ) أي محبتك القديمة ولم يريدوا ها هنا في الدين إذ لو قالوا ذلك في نبي الله كفروا :ومثله عند هذا قوله :( إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) (يوسف : 30 ) أي محبة بينة ، وقال الجنيد : ووجدك متحيراً في بيان ما أنزل إليك فهداك لبيانه لقوله تعالى : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل :

44 ) ،وقيل ووجدك لم يعرفك أحد بالنبوة حتى أظهرك فهدى بك السعداء ولا أعلم أحداً قال من المفسرين فيها ضالاًّ عن إلإيمان ، وكذلك في قصة موسى عليه السلام قوله : (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) (الشعراء : 20 ) أي من المخطئين الفاعلين شيئا بغير قصد ..قاله ابن عرفة ، وقال الأزهري :

معناه من الناسين ، وقد قيل ذلك في قوله تعالى:(وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى )(الضحى 7)أي ناسياً كما قال تعالى: (أنْ تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا ) (البقرة 282 )..فإن قلت فما معنى قوله تعالى : (مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ) (الشورى : 52 ) ؟ فالجواب :أن السمرقندي فال :

معناه ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان ، وقال ابو بكر القاضي نحوه ؛ قال ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام ، قال :

وكان قبل مؤمناً بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل فزاد بالتكليف إيمانا وهو أحسن وجوهه ؛ فإن قلت فما معنى قوله تعالى :( وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) ( يوسف 3 ) ؟ فاعلم أنه ليس بمعنى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) (يونس : 7 ) ،بل حكى أبو عبد الله الهروي أن معناه لمن الغافلين عن قصة يوسف إذ لم تعلمها إلا بوحينا وكذلك الحديث الذي يرويه عثمان بن أبي شيبة بسنده عن جابر رضي الله عنه إن النبيصلى الله عليه وسلم قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم فسمع ملكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه :اذهب ختى تقوم خلفه .فقال الاخر :كيف أقوم خلفه وعهده باستيلام الأصنام ؟ فلم يشهدهم بعد ،فهذا حديث أنكره أحمد بن حنبل جداً وقال : هو موضوع أو شبيه بالموضوع ، وقال الدارقطني : يقال إن عثمان وهِم في إسناده ، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يُلتفتُ إليه، والمعوف عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله :بُغِّضَت إليَّ الأصنام ؛

وقوله في الحديث الآخر الذي روته أم أيمن حين كلَّمه عمُّه وآلُه في حضور بعض أعيادهم وعزموا عليه بعد كراهته لذلك فخرج معهم ورجع مرعوباً فقال: كلما دنوت منها من صنم تمثل لي شخص أبيض طويل يصيح بي : وراءك لا تمسه ! فما شهد بعد لهم عيداً؛ وقوله في قصة بحيرَا حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللآت والعزى إذ لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي ورأى فيه علامات النبوة فاختبره بذلك فقال له النبيصلى الله عليه وسلم : لا تسألني بهما فوالله ما أبعضت شيئا قط بغضهما ..فقال له بحيرَا : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال : سلْ عما بدا لك .وكذلك المعروف من سيرته وتوفيق الله له أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج فكان يقف هو بعرفة لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام...

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.