عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله
اعلم ـ منحنا الله وإياك توفيقه ـ أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله وصفاته والإيمان به وبما أُوحي إليه فعلى غاية المعرفة ووضوح العلم واليقين والإنتفاء عن الجهل بالشيء من ذلك والشك أو الريب فيه والعصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك واليقين ،هذا ومع إجماع المسلمين عليه ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم عليه السلام : (قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (البقرة : 260 ).إذ لم يشك إبراهيم في إخبار الله تعالى له بإحياء الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته.وهذا وجه أول.
الوجه الثاني أن إبراهيم عليه السلام إنما أراد اختبار منزلته عند رله وعلم إجابته دعوته بسؤال ذلك من ربه ويكون قوله تعالى :( أَوَلَمْ تُؤْمِن) (البقرة : 260 ) أي تصدق بمنزلتك مني وخُلتك واصطفائك ...
الوجه الثالث أنه سأل زيادة اليقين وقوة طمأنينة وإن لم يكن في الأول شك إذ العلوم الضرورية والنظرية قد تتفاضل في قوتها وطريان الشكوك على الضروريات ممتنع ومُجوَّز في النظريات فأراد الإنتقال من النظر أو الخبر إلى المشاهدة والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين ،فليس الخبر كالمعاينة ولهذا قال سهل بن عبد الله : سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكناً في حاله.
الوجه الرابع أنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيي ويميت طلب ذلك من ربه ليصح احتجاجه عياناً.
الوجه الخامس قول بعضهم هو سؤال على طريق الأدب ،والمراد :
أقدرني على إحياء الموتى .، وقوله (لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) عن هذه الأمنية.
الوجه السادس أنه رأى من نفسه الشك وما شك ليجاوب فيزداد قربه ، وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بالشك من إ إبراهيم نفي لأن يكون إبراهيم شك وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظن هذا بإبراهيم ، أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الله الموتى ، فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه إما على طريق الأدب أو يريد أمته الذين يجوز عليهم الشك أو على طريق التواضع والإشفاق أن حملت قصة إبراهيم على اختبار حاله أو زيادة يقينه.
فإن قلت ما معنى قوله تعالى : (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * َولاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (يونس 94+95 ) ؟ فاحذر ـ ثبت الله قلبك ـ أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك للنبي فيما أُحي إليه وأنه من البشر ،فمثل هذا لا يجوز عليه جملة بل قد قال ابن عباس : لم يشك النبي صلى الله عليه وسلمولم يسأل ، ونحوه عن ابن جبير ، والحسن . وحكى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلمقال : ما أشك ولا أسأل ... وعامة المفسرين على هذا واختلفوا في معنى الآية ،فقيل المراد : قل يا محمد للشاكّ :(فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ ) (يونس 94) قالوا وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل ، قوله تعالى : ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس : 104 ) ...وقيل المراد بالخطاب العرب وغير النبيصلى الله عليه وسلم كما قال تعالى :( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر : 65 ) الخطاب له والمراد غيره ، ومثله قوله تعالى :( فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) (هود : 109 ) ونظيره كثير .قال بكر بن العلاء ألا تراه بقول : (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (يونس : 95 ) ، وهوصلى الله عليه وسلم كان المكذَّب فيما يدعو إليه، فكيف يكون ممن كذَّب به ؟ فهذا كله يدل على أن المراد بالخطاب غيره . ومثل هذه الآية قوله تعالى :(الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً )(الفرقان59 )، المأمور ها هنا غير النبيصلى الله عليه وسلم ليسأل النبي صلى الله عليه وسلمهو الخبير المسؤول لا المستخبر السائل ،وقال أن هذا الشك الذي أمر به غير النبي بسؤال الذين يقرؤون الكتاب ،إنما هو فيما قصه الله من أخبار الأمم لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة ومثل هذا قوله تعالى : (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (الزخرف : 45 ) المراد به المشركون والخطاب مواجهة للنبيصلى الله عليه وسلم ،قاله القتيبي...وقيل معناه :سلْنا عمن أرسلنا من قبلك فحُذف الخافظ وتم الكلام ثم ابتدأ (أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) على طريق الإنكار ،أي ما جعلنا ..حكاه مكي .وقيل أُمر النبي صلى الله عليه وسلمأن يسأل الأنبياء ليلة الإسراء عن ذلك فكان أشد يقيناً من أن يحتاج إلى السؤال .فرُويَ أنه قال : لا أسأل قد اكتفيت ...قاله ابن زيد. وقيل : سلْ أممَ من أرسلنا هل جاؤوهم بغير التوحيد؟
وهومعنى قول مجاهد، والسدي ،والضحاك، وقتادة .. والمراد بهذا والذي قبله إعلامه صلى الله عليه وسلمبما بُعَِت به الرسل وأنه تعالى لم يأذن في عبادة غيره لأحد رداً على مشركي العرب وغيرهم في قولهم : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) (الزمر : 3 ) ،وكذلك قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (الأنعام : 114 ) ،أي في علمهم بأنك رسول الله وإن لم يقروا بذلك وليس المراد به شكه فيما ذُكر في أول الآية ، وقد يكون أيضاً عللى مثل ما تقدم ،أي قل يا محمد لمن امترى في ذلك : لاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ...بدليل قوله أول الآية : (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ) (الأنعام : 114 ) وأن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بذلك غيره ،وقيل هو تقرير كقوله تعالى:( أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ ) (المائدة : 116 ) ،وقد علم أنه لم يقلْ ، وقيل معناه ما كنتَ في شك فاسأل تزددْ طمأنينة وعلماً إلى علمك ويقينك ،وقيل إن كنتَ تشك فيما شرفناك وفضلناك به فاسألهم عن صفتك في الكتب ،ونشر فضائلك...وحكي عن أبي عبيدة أن المراد : إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا .. فإن قيل فما معنى قوله تعالى : (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف : 110 ) على قراءة التخفيف ؟ قلنا المعنى في ذلك ما قالته عائشة رضي الله عنها : معاذ الله أن تظن ذلك الرسل بربها وإنما معنى ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من أتباعهم كذبوهم وعلى هذا أكثر المفسرين : وقبل أن ضمير =ظنوا=
عائد على الأنبياء والرسل وهو قول ابن عباس ،والنخعي ، وابن جبير ،وجماعة من العلماء وبهذا المعنى قرأ مجاهد =كذبوا = بالفتح فلا تشعل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء فكيف الانبياء ،وكذلك ما ورد في حديث السيرة ومبدإ الوحي من قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة : لقد خشيت على نفسي ... ليس معناه الشك فيما أتاه الله بعد رؤية الملَك، ولكن لعله خشي أن لا تحتمل قوته مقاومة الملَك وأعباء الوحي فينخلع قلبه أو تزهق نفسه ..هذا على ما ورد في الصحيح أنه قاله بعد لقائه الملك أو يكون ذلك قبل لقائه وإعلام الله تعالى لهصلى الله عليه وسلم بالنبوة لأول ما عرضت عليه من العجائب وسلم عليه الحجر والشجر وبدأته المنامت والتباشير كما رُوي في بعض طرق هذا الحديث أن ذلك كان أولاًَ في المنام ثم أُري في اليقظة مثل ذلك تأنيساً له لئلا يفجأه الأمر مشاهدة ومشافهة فلا يحتمله لأول حالة بنية البشرية .
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال:
اقرأ، قال: (ما أنا بقارىء). قال: (فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * ) ( العلق 1-5)... فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: (زملوني ...زملوني). فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي). فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقاله له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله به على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أومخرجي هم). قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي...
وعن ابن عباس رضي الله عنهما مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ينة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئاً وثمان سنين يوحى إليه ...وقد روى ابن إسحاق عن بعضهم أن النبيصلى الله عليه وسلم ذكر جواره بعار حراء قال : فجاءني وأنا نائم فقال :أقراْ .
فقلت : ما أقرأ ؟ ...وذكر نحو حديث عائشة في غطِّه له وإقرائه له :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)..قال : فانصرف عني وهببْت من نومي كأنما صُوِّرَت في قلبي ولم يكن أبغض إلي من شاعر أو مجنون ..قلت :لا تَحَدَّثُ عني قريش بهذا أبداً لأعْمدنَّ إلى حالق من الجبل فلأطرَحنَّ نفسي منه فلأقتلنَّها ،فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعت مناديا ينادي من السماء : يا محمد ،أنت رسول الله وأنا جبريل ، فرفعت رأسي فإذا جبريل على صورة رجل.ـ وذكر الحديث...فقد بيَّنصلى الله عليه وسلم في هذا أن قوله لما قال وقصده لما قصد إنما كان قبل لقاء جبريل عليه السلام . وقبل إعلام الله تعالى لهصلى الله عليه وسلم بالنبوة وإظهاره واصطفائه له بالرسالة .
ومثله حديث عمرو بن شرحبيل أنه صلى الله عليه وسلم قال لخديجة رضي الله عنها : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد خشيت والله أن يكون هذا لأمر ..ومن رواية حماد بن سلمة أن النبيصلى الله عليه وسلم قال لخديجة :إني لأسمع صوتاً وأرى ضوءً وأخشى أن يكون بي جنون... وعلى هذا يُتأوَّل لو صح قوله في بعض هذه الأحاديث إن الأبعد شاعر أو مجنون وألفاظاً يُقهم منها معاني الشك في تصحيح ما رآه وأنه كان كله في ابتدلء أمره وقبل لقاء الملَك له وإعلام الله له أنه رسوله :فكيف وبعض هذه الألفاظ لا تصح طرقها ؟ وأما بعد إعلام الله تعالى لهصلى الله عليه وسلم ولقائه الملَك فلا يصح فيه ريب ولا يجوز فيه شك فيما ألقى إليه ..وقد روى ابن إسحاق عن شيوخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقى بمكة من العين قبل أن ينزل عليه ، فلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما كان يصيبه ،فقالت له خديجة : أوجِّه لك من يرقيك..قال : أما الآن فلا . ، وحديث خديجة واختبارها أمر جبريل بكشف رأسها ، إنما ذلك في حق خديجة لتتحقق صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الذي يأتيه ملَك ويزول الشك عنها لأنها فعلت ذلك للنبيصلى الله عليه وسلم وليختبر هو حاله بذلك ، بل قد ورد في حديث عبد الله بن محمد بن يحيىبن عروة عن هشام عن أبيه عن عائشة أن ورقة أمر خديجة أن تخبُر الأمر بذلك ، وفي حديث إسماعيل بن أبي حكيم أنها قالت لرسول اللهصلى الله عليه وسلم : يا ابن عم ،هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك ؟ قال : نعم .فلما جاء جبريل أخبرها ،فقالت له : اجلِس إلى شقِّي ... وذكر الحديث إلى آخره وفيه ، فقالت : ما هذا بشيطان ،هذا الملَك يا ابن عم ، فاثبُتْ وأبشِر..وآمنت به . فهذا يدل على أنها مسثـتبِتة بما فعلته لنفسها ومستظهرة لإيمانها لا للنبي صلى الله عليه وسلم..وقول معمر في فترة الوحي : حزن النبيصلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزناًَ غدا منه مراراً كي يتردى من شواهق الجبال ،لا يقدح في هذا الأصل لقول معمر عنه فيما بلغنا ولم يُسنده ولا ذكر
رواته ولا من حدث به ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ولا يُعرف مثل هذا إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه قد يُحمل على أنه كان أول ألامر كما ذكرناه أو أنه فعل ذلك لما أخرجه من تكذيب من بلغه كما قال تعالى:(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(الكهف 6 ويصحح معنى هذا التأويل حديث رواه شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله أن المشركين لما اجتمعوا بدار التدوة للتشاور في شأن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر اشتد ذلك عليه وتزمل في ثيابه وتدثر فيها فأتاه جبريل فقال : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (المزّمِّل : 1 ) و (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدّثر : 1 ) أو خاف أن الفترة لأمرٍ أو سببٍ منهصلى الله عليه وسلم فخشي أن تكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم يرِد بعدُ شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به ونحو هذا فرار يونس عليه السلام خشيةَ تكذيب قومه له لما وعدهم به من العذلب وقول الله تعالى في يونس : (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء : 87 ) معناه أن لن نُضيِّق عليه ،قال مكي طمع في رحمة الله وأن لا يضيق عليه مسلكه في خروجه ، وقبل حسن ظنَّه بمولاه أنه لا يقضي عليه العقوبة :وقيل نقدر عليه ما أصابه ، وقد قُريء ،ُقَدِّرُ عليه بالتشديد ،وقبل نؤاخذه بغضبه وذهابه ، وقال ابن زيدون معناه أفظن أن لن نقدر عليه ؟ على الإستفهام ولا يليق أن يُظن بنبي أن يجهل صفة من صفات ربه ،وكذلك قوله تعالى : (ِإذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ) نالصحيح مغاضبا لقومه لكفرهم وهو قول ابن عباس ،والضحاك وغيرهما :لا لربه عز وجل .إذ مغاضبة الله معاداة له ،ومعاداة الله كفر لا يليق
بالمؤمنين فكيف بالأتبياء ؟ وقيل مستحيِياً من قومه أن يَسِموه بالكذب أو يقنلوه كما ورد في الخبر .وقيل مغاضباََ لبعض الملوك فيما أمرهم به من التوجُّه إلى أمرٍ أمَرَهم اللهُ به على لسان نبي آخر فقال له يونس : غيري أقولى عليه مني فعزم عليه فخرج لذلك مغاضباََ ..وقد رُوي عن ابن عباس أن إرسال يونس ونبوته إنما كان بعد أن نبذه الحوت واستدل من الآية بقوله تعالى :(فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ )( الصافات 145-147 ) ويستدل بقوله تعالى:(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ )(القلم 48 ) .وذكر القصة ثم قال : (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ )( القلم 50 ) . فتكون هذه القصة إذاً قبل نبوَّته ،فإن قيل فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله كل يوم مائة مرة . وفي طريق آخر : في اليوم أكثر من سبعين مرة .؟ فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريباَ وقع في قلبه صلى الله عليه وسلم ،بل أصل الغين في هذا ما يتغشى القلب أو يغطيه، قاله أبو عبيد ،وأصله من غيت السماء وهو إطباق الغيم عليها ..وقال غيره : الغين شيء يغشي القلب ولا يغطيه كل التغطية كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس ،وكذلك لا يُفهم من الحديث أنه يُغان على قلبه مائة مرة أو أكثر من سبعين في اليوم إذ ليس يقتضيه لفظه الذي ذكرناه.وهو اكثر الروايات وإنما هذا عدد للإستعفار لا للغين فيكون المراد بهذا الغين إشارة غلافات قلبه وفترات نفسهصلى الله عليه وسلم وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان دفع إليه من مقاساة البشر في سياسة الأمة ومعاناة الأهل ومقاومة الولي والعدو ومصلحة التفس ،وكلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل
