الأحد 15 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 27 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٦ مساءً · السبت، الإثنين والأربعاء ١١ صباحاً – ٤ مساءً

الفصل الخامس العشرون

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الرابع

من معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم

ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم ، و خصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا و الدين ، ومعرفته بأمور شرائعه ، وقوانين دينه ، وسياسة عباده ، ومصالح أمته ، وما كان في الأمم قبله ، وقصص الأنبياء والرسل والجبابرة والقرون الماضية من لدن آدم إلى زمنه ، وحفظ شرائعهم وكتبهم ، ووعي سيرهم ، وسرد أنبائهم ، وأيام الله فيهم ، وصفات أعيانهم واختلاف آرائهم ، والمعرفة بمددهم وأعمارهم ، وحكم حكمائهم ، ومحاجة كل أمة من الكفرة ، ومعارضة كل فرقة من الكتابيين بما في كتبهم ، وإعلامهم بأسرارها ومخبآت علومها ، وإخبارهم بما كتموا من ذلك وغيروه .

إلى الإحتواء على لغات العرب ، وغريب ألفاظ فرقها ، والإحاطة بضروب فصاحاتها ، والحفظ لأيامها وأمثالها ، وحِكَمها ومعاني أشعارها ، والتخصيص بجوامع كلمها .

إلىالمعرفة بضرب الأمثال الصحيحة ، والحكم البينة لتقريب التفهيم للغامض ، والتبيين للمشكل ، إلى تمهيد قواعد الشرع الذي لا تناقض فيه ولا تخاذل ، مع اشتمال شريعته على محاسن الأخلاق ومحامد الآداب وكل شيء مستحسن مفضل ، لم ينكر منه ملحد ذو عقل سليم شيئاً إلا من جهة الخذلان .

بل كل جاحد له وكافر من الجاهلية به إذا سمع ما يدعو إليه صوبه ، واستحسنه دون طلب إقامة برهان عليه . ثم ما أحل لهم من الطيبات ، وحرم عليهم من الخبائث ،وصان به أنفسهم وأعراضهم وأموالهم من المعاقبات والحدودعاجلاً ، والتخويف بالنار آجلاً مما لا يعلم علمه ولا يقوم به ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والعكوف على الكتب ، ومثافنة بعض هذا

إلى الاحتواء على ضروب العلوم ، وفنون المعارف ، كالطب ، والعبارة ، والفرائض ، والحساب ، والنسب ، وغير ذلك من العلوم مما اتخذ أهل هذه المعارف كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة وأصولاً في علمهم ، -كقوله صلى الله عليه وسلم : الرؤيا لأول عابر . وهي على رجل طائر.

-وقوله : الرؤيا ثلاث : رؤيا حق ، و رؤيا يحدث بها الرجل نفسه ، و رؤيا تخزين من الشيطان .

-وقوله : إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب .

-وقوله : أصل كل داء البردة .

-وما روي عنه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من قوله : المعدة حوض البدن ، والعروق إليها واردة ... وإن كان هذا حديثاً لا نصححه وكونه موضوعاً تكلم عليه الدارقطني .

-وقوله : خير ما تداويتم به السعوط واللدود ، والحجامة ، والمشي .

وخير الحجامة يوم سبع عشرة ، وتسع عشرة ، وإحدى وعشرين . - وفي العود الهندي سبعة أشفية ، منها ذات الجنب .

-وقوله : ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن ، فإن كان لا بد فثلث للطعام ، و ثلث للشراب ، و ثلث للنفس .

-وقوله ـ وقد سئل عن سبأ : أرجل هو أم امرأة ، أم أرض ؟ فقال : رجل ولد عشرة : تيامن منهم ستة و تشاءم أربعة ... الحديث بطوله .

-وكذلك جوابه في نسب قضاعة ، وغير ذلك مما اضطرت العرب على شغلها بالنسب إلى سؤاله عما اختلفوا فيه من ذلك .

-وقوله : حمير رأس العرب ونابها . ومذحج هامتها وغلصمتها . والأزذ كاهلها وجمجمتها ، وهمدان غاربها وذروتها .

-وقوله : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض .

وقوله في الحوض : زواياه سواء .

-وقوله ـ في حديث الذكر : وإن الحسنة بعشر أمثالها ، فتلك مائة وخمسون على باللسان ، وألف و خمسمائة في الميزان

-وقوله ـ وهو بموضع ـ :

نعم موضع الحمَّام هذا .

-وقوله : ما بين المشرق والمغرب قبلة .

-وقوله لعيينة ، أو الأقرع : أنا أفرس بالخيل منك .

-وقوله لكتابه : ضع القلم على أذنك ، فإنه أذكر للمُمِل .

هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يكتب ، ولكنه أوتي علم كل شيء ، حتى قد وردت آثار بمعرفته حروف الخط وحسن تصويرها : كقوله : : لا تمدوا بسم الله الرحمن الرحيم .رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس .

-وقوله في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال له : ألق الدواة ، وحرف القلم ، وأقم الباء ، وفرق السين ، ولا تعور الميم ، وحسن الله ، ومد الرحمن ، وجود الرحيم .

وهذا ، وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع القراءة والكتابة .

وأما علمه صلى الله عليه وسلم بلغات العرب ، وحفظه معاني أشعارها ، فأمر مشهور ، قد نبهنا على بعضه أول الكتاب .

وكذلك حفظه لكثير من لغات الأمم ، كقوله في الحديث : سنة ، سنة.. وهي حسنة بالحبشية .

وقوله : ويكثر الهرج وهو القتل بها .

وقوله ـ في حديث أبي هريرة : أَشْكَنْبَ دَرْدَ أي وجع البطن بالفارسية .

إلى غير ذلك مما لا يعلم بعض هذا ولا يقوم به و ا ببعضه إلا من مارس الدرس و العكوف على الكتب ومثافنة أهلها عمره .

وهو رجل كما قال الله تعالى: أمي ، لم يكتب ولم يقرأ ، ولا عرف بصحبه من هذه صفته ، ولا نشأ بين قوم لهم علم ولا قراءة لشيء من هذه الأمور ، ولا عرف هو ـ قبل بشيء منها ، قال الله تعالى : (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت : 48 ).

إنما كانت غاية معارف العرب النسب وأخبار أوائلها ، والشعر ، والبيان ، وإنما حصل ذلك لهم بعد التفرغ لعلم ذلك ، والاشتغال بطلبه ، ومباحثة أهله عنه .

وهذا الفن نقطة من بحر علمه صلى الله عليه وسلم.

ولا سبيل إلى جحد الملحد لشيء مما ذكرناه ، ولا وجد الكفرة حيلة في دفع ما نصصناه إلا قولهم الذي حكاه الله عنهم :( إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)

(الأنعام 25) و ( إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)

فرد الله عز وجل قولَهم بقوله : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)

(النحل : 103 ) ثم ما قالوه مكابرة العيان ، فإن الذي نسبوا تعليمه إليه إما سلمان ، أو العبد الرومي ، وسلمان إنما عرفه بعد الهجرة ، ونزول الكثير من القرآن ، وظهور ما لا ينعد من الآيات .وأما الرومي فكان أسلم وكان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، و اختلف في اسمه .

و قيل : بل كان النبي صلى الله عليه وسلميجلس عنده عند المروة ، وكلاهما أعجمي اللسان ، وهم الفُصحاء اللُّد ، والخطباء اللُّسْن ، قد عجزوا عن معارضة ما أتى به ، والإتيان بمثله ، بل عن فهم رصفه ، وصورة تأليفه ونظمه ، فكيف بأعجمي ألكن !‍ .

نعم ، وقد كان سلمان ، أو بلعام الرومي ، أو يعيش ، أو جبر ، أو يسار ـ على اختلافهم في اسمه ـ بين أظهرهم يكلمونه مدى أعمارهم ، فهل حكي عن واحد منهم شيء من مثل ما كان يجيء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهل عرف واحد منهم بمعرفة شيء من ذلك ؟ وما منع العدو حينئذ على كثرة عدده ، ودؤوب طلبه ، وقوة حسده -أن يجلس إلى هذا فيأخذ عليه أيضاً ما يعارض به ويتعلم منه ما يحتج به على شغبه ، كفعل النضر بن الحارث بما كان يمخرق به من أخبار كتبه .

ولا غاب للنبي صلى الله عليه وسلم عن قومه ، ولا كثرت اختلافاته إلى بلاد أهل الكتاب ، فيقال : إنه استمد منهم ، بل لم يزل بين أظهرهم يرعى في صغره وشبابه ، على عادة أبنائهم ، ثم لم يخرج عن بلادهم إلى سفرة أو سفرتين ، لم يطل فيهما مكثه مدة يحتمل فيها تعليم القليل ، فكيف الكثير !‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‌‌ .

بل كان في سفره في صحبة قومه ورفاقة عشيرته ، لم يغب عنهم ، ولا خالف حاله مدة مقامه بمكة من تعليم و اختلاف إلى حبر أو قس ، أو منجم أو كاهن .

بل لو كان هذا بعد كله لكان مجيء ما أتى به من معجز القرآن قاطعاً لكل عذر ، ومدحضاً لكل حجة ، ومجلياً لكل أمر .

الفصل السادس والعشرون

من خصائصه وكراماته وباهر آياته أنباؤه مع الملائكة والجن

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم، وكراماته ، وباهر آياته أنباؤه مع الملائكة والجن ، وإمداد الله له بالملائكة ، وطاعة الجن له ، ورؤية كثير من أصحابهم لهم ،

*قال الله تعالى : ((إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) (التحريم : 4 )

-وقال : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال : 12 ).

-وقال : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ( سورة الأنفال 9 – 10).

-وقال : (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) (الأحقاف : 29 )

*حدثنا سفيان بن العاص الفقيه بسماعي عليه ، حدثنا أبو الليث السمرقندي ، قال : حدثنا عبد الغافر الفارسي ، حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي حدثنا شعبة ، عن سليمان الشيباني ، سمع زر بن حبيش ، عن عبد الله في قوله تعالى :(لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم : 18 ) ـ قال : رأى جبريل عليه السلام في صورته ، له ستمائة جناح .

-والخبر في محادثته مع جبريل وإسرافيل وغيرهما من الملائكة ، وما شاهده من كثرتهم وعظم صور بعضهم ليلة الإسراء مشهور .

وقد رآهم بحضرته جماعة من أصحابه في مواطن مختلفة ، فرأى أصحابه جبريل عليه السلام في صورة رجل يسأله عن الإسلام والإيمان...

-ورأى ابن عباس ، أسامة بن زيد ، وغيرهما عنده جبريل في صورة دحية .

-ورأى سعد عن يمينه يساره جبريل وميكائيل في صورة رجلين عليهما ثياب بيض .

-ومثله غير واحد .

-وسمع بعضهم زجر الملائكة خيْلَها يوم بدر .

-وبعضهم رأى تطاير الرؤوس من الكفار ، ولا يرون الضارب .

-ورأى أبو سفيان بن الحارث يومئذ رجالاً بيضاً على خيْل بُلق بين السماء والأرض ، ما يقوم لها شيء .

-وقد كانت الملائكة تصافح عمران بن الحصين .

-وأرى النبي صلى الله عليه وسلم لحمزة جبريل في الكعبة ، فخر مغشياً عليه .

-ورأى عبد الله بن مسعود الجن ليلة الجن ، و سمع كلامهم ، وشبههم برجال الزط .

-وذكر ابن سعد أن مصعب بن عمير لما قتل يوم أحد أخذ الراية ملك على صورته ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : تقدم يا مصعب فقال له الملك : لست بمصعب ، فعلم أنه ملك .

-وقد ذكر غير واحد من المصنفين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ أنه قال : بينا نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل شيخ بيده عصا ، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فرد عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم: نغمة الجن. من أنت ؟ قال أنا هامة بن الهيم بن لاقس بن إبليس ، فذكر أنه لقي نوحا ومن بعده ... في حديث طويل ، وأن صلى الله عليه وسلم علمه سوراً من القرآن .

-وذكر الواقدي قتل خالد عند هدمه العزى للسوداء التي خرجت له ناشرة شعرها عريانة ، فجزلها بسيفه وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : تلك العزى .

-وقال صلى الله عليه وسلم : إن شيطاناً تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان :( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (صـ : 35 ). فرده الله خاسئاً .

وهذا باب واسع.

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.