الأحد 15 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 27 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٦ مساءً · السبت، الإثنين والأربعاء ١١ صباحاً – ٤ مساءً

الفصل الخامس — الباب الثالث

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الثالث

رؤيته صلى الله عليه وسلملربه عز و جل و اختلاف السلف فيها

و أما رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه جل وعز فاختلف السلف فيها ، فأنكرته عائشة .

-حدثنا أبو الحسن سراج بن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه ، قال حدثني أبي وأبو عبد الله بن عتاب الفقيه ، قالا : حدثنا القاضي يونس بن مغيث ، حدثنا أبو الفضل الصلقي ، حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت ، عن أبيه وجده ، قالا : حدثنا عبد الله بن علي ، قال : حدثنا محمود بن آدم ، حدثنا وكيع ، عن ابن أبي خالد ، عن عامر عن مسروق ـ أنه قال لعائشة رضي الله عنها ـ يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه ؟ فقالت : لقد قَفَّ شعري مما قلت . ثلاث من حدثك بهن فقد كذب : من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام : 103 )، و ذكر الحديث .

-وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها ، وهو المشهور عن ابن مسعود .

ومثله عن أبي هريرة أنه : إنما رأى جبريل .

واختلف عنه .

-وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة منالمحدثين ، والفقهاء والمتكلمين .

-وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رآه بعينه . وروى عطاء عنه ـ أنه رآه بقلبه .

-وعن أبي العالية ، عنه : رآه بفؤاده مرتين .

-وذكر ابن إسحاق أن عمر أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله : هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه ؟

فقال : نعم .

والأشهر عنه انه رأى ربه بعينه ، روي ذلك عنه من طرق ، و قال : إن الله تعالى اختص موس بالكلام ، وإبراهيم بالخلة ،ومحمداً بالرؤية وحجته قوله تعالى : (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *)( سورة النجم 11 - 13 ) .

-قال الماوردي : قيل : إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ، و محمد صلى الله عليه وسلم، فرآه محمدصلى الله عليه وسلم مرتين ، وكلمه موسى مرتين .

-وحكى أبو الفتح الرازي ، وأبو الليث السمرقدي الحكاية عن كعب .

وروى عبد الله بن الحارث ، قال : اجتمع ابن عباس وكعب ، فقال ابن عباس : أما نحن بنو هاشم فنقول : إن محمداً قد رأى ربه مرتين ، فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ، وقال : إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد و موسى ، فكلمه موسى ، ورآه محمدصلى الله عليه وسلم بقلبه .

-وروى شريك عن أبي ذر رضي الله عنه في تفسير الآية ، قال :

رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه .

-وحكى السمرقندي ، عن محمد بن كعب القرظي ، وربيع بن أنس ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : هل رأيت ربك ؟ قال : رأيته بفؤادي ، ولم أره بعيني .

-وروى مالك بن يخامر ، عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : رأيت ربي ... و ذكر كلمة ، فقال : يا محمد ، فيم يختصم الملأ الأعلى الحديث .

-وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف با الله لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه .

-وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة .

-وحكى بعض المتكليمين هذا المذهب عن ابن مسعود .

-وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة . هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه ؟ فقال : نعم .

-وحكى النقاش ، عن أحمد بن حنبل : أنه قال : أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه رآه ـ حتى انقطع نفسه ـ يعني نفس أحمد .

-وقال أبو عمر : قال أحمد بن حنبل : رآه بقلبه ، و جبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار .

-وقال سعيدبن جبير : لا أقول رآه ، و لا لم يره .

-وقد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس ، وعكرمه ، والحسن ، وابن مسعود ، فحكى عن ابن عباس وعكرمة : رآه بقلبه . وعن الحسن وابن مسعود :

رأى جبريل . وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، أنه قال : رآه .

-وعن ابن عطاء في قوله تعالى:( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح : 1 ) ـ قال :

شرح صدره للرؤية وشرح صدر موسى للكلام

-وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه وجماعة من أصحاب أنه رأى الله تعالى ببصره وعيني رأسه ، ، وقال : كل آية أوتيها نبي من الأنبياء عليهم السلام فقد أتي مثلها نبينا ، وخص من بينهم بتفضيل الرؤية .

ووقف بعض مشايخنا في هذا ، وقال : ليس عليه دليل واضح ، ولكنه جائز أن يكون .

-قال القاضي أبو الفضل : والحق الذي لا إمتراء فيه ـ أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلاً ، و ليس في العقل ما يحيلها .

-والدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى عليه السلام لها . ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزاً غير مستحيل ، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله ، فقال له الله تعالى :( لَن تَرَانِي) (الأعراف : 143 )، أي لن تطيق ، و لا تحتمل رؤيتي ، ثم ضرب له مثلاً مما هو أقوى من بنية موسى وأثبت ، و هو الجبل ، قال: (وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف :

143 )

وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا ، بل فيه جوازها على الجملة ، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها ، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة .

ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى : (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) (الأنعام : 103 ) ، لاختلاف التأويلات في الآية ، وإذ ليس يقتضي قول من قال في الدنيا الإستحالة .

وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية وعدم استحالتها على الجملة .

وقد قيل : لا تدركه أبصار الكفار . و قيل : لا تدركه الأبصار : لا تحيط به ، و هو قول ابن عباس . وقد قيل : لا تدركه الأبصار ، وإنما يدركه المبصرون .

وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها . وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى :( لَن تَرَانِي) (الأعراف : 143 ). وقوله :( تُبْتُ إِلَيْكَ) ـ لما قدمناه ولأنها ليست على العموم ، ولأن من قال : معناها :

لن تراني في الدنيا ـ إنما هو تأويل .

وأيضاً فليس فيه نص الإمتناع ، وإنما جاءت في حق موس ، وحيث تتطرق التأويلات وتتسلط الإحتمالات فليس للقطع إليه سبيل .

-وقوله :( تُبْتُ إِلَيْكَ) ، أي من سؤالي ما لم تُقَدِّره لي .

وقد قال أبو بكر الهذلي ـ في قوله :( تُبْتُ إِلَيْكَ) أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا ، وأنه من نظر إلي مات .

-وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه : إن رؤيته تعالى في الدنيا ممتعة ، لضعف تركيب أهل الدنيا ، وقواهم ، وكونها متغيرة غرضاً للأفات والفناء ، فلم تكن لهم قوة على الرؤية ، فإذا كان في الأخرة ورُكِّبوا تركيباً آخر ، ورزقوا قوى ثابتة باقية ، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية

وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس رحمه الله ، قال : لم ير في الدنيا ، لأنه باق ، ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الأخرة ورزقوا أبصاراً باقية رئى الباقي بالباقي

وهذا كلام حسن مليح ، وليس فيه دليل على الإستحالة إلا من حيث ضعف القدرة ، فإذا قوَّى اللهُ تعالى من شاء من عباده ، وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه

وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى و محمد عليهما الصلاة و السلام ، ونفوذ إدراكها بقوة إلهية مُنِحاها لإدراك ما أدركاه ، ورؤية ما رأياه . و الله أعلم .

-وقد ذكر القاضي أبو بكر ـ في أثناء أجوبته عن الآيتين ـ ما معناه : إن موسى عليه السلام رأى الله ، فلذلك خر صعقاً ، و إن الجبل رأى ربه فصار دكاً بإدراك خلقه الله له واستنبط ذلك ، و الله أعلم ، من قوله : (وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي )

(الأعراف : 143 ) ثم قال :( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً ) (الأعراف : 143 ) وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه ـ على هذا القول .

-وقال جعفر بن محمد : شغله بالجبل حتى تجلى ، ولولا ذلك لمات صعقاً بلا إفاقة .

-وقوله هذا يدل على أن موسى رآه . وقد و قع لبعض المفسرين ـ في الجبل ـ أنه رآه ، وبرؤية الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا صلى الله عليه وسلم له ، إذ جعله دليلاً على الجواز .

ولا مرية في الجواز ، إذ ليس في الآيات نص بالمنع .

وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم، والقول بأنه رآه بعينه ـ فليس فيه قاطع أيضاً ولا نص ، إذ المعول فيه على آيتي [ النجم ] ، و التنازع فيهما مأثور ، والإحتمال لهما ممكن ، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .

-وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيجب العمل باعتفاد مضمنه .

-ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية .

-وحديث معاذ محتمل للتأويل ، و هو مضطرب الإسناد و المتن .

-وحديث أبي ذر مختلف محتمل مشكل . فروي : نور أنَّي أراه

وكى بعض شيوخنا أنه روي: نَوْرانِي أراه .

-وفي حديثه الآخر : سألته ، فقال : رأيت نوراً ، و ليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية فإن كان الصحيح رأيت نوراً فهو قد أخبر أنه لم ير الله ، وإنما رأى نوراً منعه وحجبه عن رؤية الله .

وإلى هذا يرجع قوله : = نور أنى أراه = أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر ، و هذا مثل ] ما في الحديث الآخر : حجابه النور .

-وفي الحديث الآخر : لم أره بعيني ، و لكن رأيته بقلبي مرتين ، وتلا :( ثم دنا فتدلى) واللهُ قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب ، أو كيف شاء ، لا إله غيره .

فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه ، إذ لا استحالة فيه ، ولا مانع قطعي يرده ، واللهُ الموفق .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.