الأحد 15 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 27 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٦ مساءً · السبت، الإثنين والأربعاء ١١ صباحاً – ٤ مساءً

الفصل الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الثالث — الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لايقال

في أحواله صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا

هذه حاله في جسمه ، فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسبرها على أسلوبنا المتقدم بالعقد والقول والفعل:

-أما العقد منها فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه ، أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع ، كما حدثنا أبو بحر سفيان بن العاصي وغير واحد سماعاً وقراءة ، قالوا : حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر ، ، قال : حدثنا أبو العباس الرازي ، حدثنا أبو أحمد بن عمرويه ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا عبد الله بن الرومي ، وعباس العنبري ، وأحمد المعقري ، قالوا : حدثنا النضر بن محمد ، قال : حدثني عكرمة ، حدثنا أبو النجاشي ، قال : حدثنا رافع بن خديج ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل ، فقال : ما تصنعون ؟

قالوا : كنا نصنعه . قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً ، فتركوه ، فنقصت ، فذكروا ذلك له ، فقال : إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر .

وفي رواية أنس : أنتم أعلم بأمر دنياكم .

وفي حديث آخر : إنما ظننت ظناً ، فلا تؤاخذوني بالظن .

وفي حديث ابن عباس في قصة الخرص ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطيء وأصيب .

وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها ، لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه ، وسُنة سنَّها .

وكما حكى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل بأدنى مياه بدر قال له الحباب بن المنذر : أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟

قال : لا ، بل هو الرأي والحرب والمكيدة . قال :

فإنه ليس بمنزل ، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نعور ما وراءه من القِلَب ، فنشرب ولا يشربون . فقال : أشرت بالرأي ، وفعل ما قاله .وقد قال له الله تعالى : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران : 159 ).

وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث ثمر المدينة ، فاستشار الأنصار . فلما أخبروه برأيهم رجع عنه .

فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها ، يجوز عليه فيها ما ذكرناه ، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة ، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها ، وجعلها همة ،وشغل نفسه بها ،والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة ، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية ، ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ، ويجوز في النادر فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها ، لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة .

وقد تواتر بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم من المعرفة بأمور الدنيا و دقائق مصالحها ، وسياسة فرق أهلها ما هو معجز في البشر مما قد نبَّهْنا عليه في باب معجزاته من هذا الكتاب

تافصل الرابع

فيما يعتقد من أمور أحكام البشر الجارية على يديه صلى الله عليه وسلم

وأما ما يعتقد في أمور أحكام البشر الجارية على يديه ، وقضاياهم ، ومعرفة المحق من المبطل ، وعلم المصلح من المفسد ، فبهذه السبيل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئاً ، فإنما أقطع له قطعة من النار .

*حدثنا الفقيه أبو الوليد رحمه الله ، حدثنا الحسين بن محمد الحافظ ، حدثنا أبو عمر ، حدثنا أبو محمد ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أم سلمة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث .

وفي رواية الزهري ، عن عروة : فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صادق فأقضي له

وتجري أحكامه صلى الله عليه وسلم على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة الشاهد ، ويمين الحالف ، ومراعاة الأشبه ، ومعرفة العِفاص والوِكاء ، مع مقتضى حكمة الله في ذلك ، فإنه تعالى لو شاء لأطلعه على سرائر عباده ومخبآت ضمائر أمته ، فتولى الحكم بينهم بمجرد يقينه وعلمه دون حاجة إلى اعتراف أو بينة أو يمين أو شبهة ، ولكن لما أمر الله أمته باتباعه والإقتداء به في أفعاله وأحواله وقضاياه وسِيَره ، وكان هذا لو كان مما يختص بعلمه ويؤثره الله به ، لم يكن للأمة سبيل إلى الاقتداء به في شيء من ذلك ، ولا قامت حجة بقضية من قضاياه لأحد في شريعته ، لأنا لا نعلم ما أطلع عليه هو في تلك القضية لحكمه هو إذاً في ذلك بالمكنون من إعلام الله له بما أطلعه عليه من سرائرهم ، وهذا ما لا تعلمه الأمة ، فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم التي يستوي في ذلك هو وغيره من البشر ، ليتم اقتداء أمته به في تعيين قضاياه ، وتنزيل أحكامه ، ويأتون ما أتوا من ذلك على علم ويقين من سنته ، إذ البيان بالفعل أوقع منه بالقول ، وأدفع لاحتمال اللفظ وتأويل المتأول ، وكان حكمه على الظاهر أجلى في البيان ، وأوضح في وجوه الأحكام وأكثر فائدة لموجبات التشاجر والخصام ، وليقتدي بذلك كله حكام أمته ، ويستوثق بما يؤثر عنه ، وينضبط قانون شريعته ، وَطيُّ ذلك عنه من علم الغيب الذي استأثر به (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * ) ( الجن 26-28) فيعلمه منه بما شاء ، ويستأثر بما شاء ، ولا يقدح هذا في نبوته ، ولا يفصم عروة عن عصمته .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.